هل الحد الصادق النيهوم ؟
كتبهاالسلفيوم ، في 14 نوفمبر 2007 الساعة: 19:56 م
- سؤال بلا اجابة
الصادق النيهوم " اسم له رنينه الخاص، رنين يثير مشاعر متناقضة من الفخر والأسى، الأسى لأنّ الكثير من شبابنا لم يتعرفوا على هذا الأديب والمفكر الليبي الذي طالما أثارت أفكاره وكلماته الجدل في عواصم الثقافة العربية وصالونات مثقفيها.. هذا الأسى وحده دعاني لأن أكتب، أو بالأحرى أنقل بعضاً مما كتب عن النيهوم،……..
فمن المحزن حقاً ولحد مقرف أن قامة فكرية وأدبية من طراز عالمي فريد " كالنيهوم " تكون غير معروفة في بلادها إلى هذا الحد؛ فيما يتم الاحتفاء بها في الخارج وبإبداعاتها، فلا تزال كبريات دور النشر العربية تتسابق على إعادة طبع بعض من أشهر أعمال النيهوم، لـــــكـــــن لـــيـــس التــجــاهـــل هو وحده هو ما واجهنا به إبداعات النيهوم، بل إن بعضنا لم تعجبه أفكار النيهوم التقدمية والتنويرية التي يحلل فيها التخلف الذي نعاني منه والمتمثل في عادات وتقاليد بالية، فـــفـــي مــجـــتــمعات بدائية كمجتمعاتنا فــإن صوتاً حداثياً وتنويرياً كصوت النيهوم ســـيـــزعــج الكثيرين، حــيــث الثبات والجمود هي صفة حقيقية في ما يعرف "بالعقل التقليدي " الموجود في مجتمعاتنا، فـفي هذه المجتمعات يـُـــنـظــرُ إلى كل محاولة للتغيير والابتكار على أنها تهديد اجتماعي، وفي هذا الإطار يقول أحد الحداثيين العرب:- (( إن النقل مازال يكفٍّــر العــقـل في الفضاء العربي، ومازال التقليد يقطع الطريق على التجديد، ومازالت القــدامةُ تحارب الحداثة، حيث يمثـل الفهم الخاطئ للتراث في مجتمعاتنا عائقاً شلّ تفكير النخبة التي واجهت الحداثة كخطر على الهوية لا كفرصة لمـعاصرة الـعـصر)). وفي ظل هذه العقليات هناك من مضى بعيداً في هجومه على النيهوم فاتهموه بالإلحاد والعياذ بالله، وهذا أسهل شئ رد به هؤلاء على فكر النيهوم، فلم يواجهوا الحجة بالحجة والفكرة بالفكرة، بل رموه بهذه الفرية التي يعلم كل من اطــَّـلعَ على تجربة النيهوم أنه أبعد الناس عن الإلحاد. ربما كل ما هنالك أن النيهوم قد جاءنا مبكراً جداً فلم نكن في مستوى النضج العقلي والفكري الذي يؤهلنا لاستيعاب أفكاره.
وُلد الصادق النيهوم في العام 1937 في بنغازي، ونشأ في حيٍّ شعبي، وعاش حياته وتجاربه بين جامعة بنغازي وإقامته أعوامًا في عواصم أوروبية، حيث توفى في العام 1994 في جنيف، مما أكسبه تجربة ثقافية صِدامية. وقد أثار النيهوم باكرًا بعض القضايا والموضوعات التي لا تزال تثير اهتمام المثقفين والمفكرين، على تنوع اتجاهاتهم. درس النيهوم علومه الجامعية في الجامعة الليبية وأعد أطروحة الدكتوراه في (الأديان المقارنة) بإشراف الدكتورة بنت الشاطئ، إلا أن الجامعة ردت الأطروحة بحجة أنها (معادية) للإسلام!!. لينتقل بعدها إلى ألمانيا، حيث أتم الدكتوراه في جامعة ميونخ بإشراف مجموعة من المستشرقين الألمان، ونالها بامتياز، وكان يجيد إلى جانب العربية، الألمانية، والإنكليزية، والفرنسية، والفنلندية، إلى جانب معرفته بالعبرية والآرامية. تابع النيهوم دراسته في جامعة أريزونا في الولايات المتحدة، لمدة سنتين. ليدرس بعدها مادة (الأديان المقارنة) في جامعة هلسنكي، كأستاذ محاضر في ليندا لعدة سنوات، بداية من 1968 حتى أوائل 1972. أقام بعدها في لبنان بين 1972 و 1976، وكتب أسبوعياً في مجلة الأسبوع العربي، وغادرها بسبب الحرب. منتقلاً إلى جنيف، حيث أسس (دار التراث) ثم دار (المختار) وأصدر سلسلة من الموسوعات العربية أهمها (تاريخنا) و(بهجة المعرفة). وعمل أستاذاً محاضراً في الأديان المقارنة، في جامعة جنيف، حتى وفاته. وكان قد بدأ الكتابة الشهرية في (الناقد) منذ صدورها في العام 1988، واستمر فيها حتى وفاته. وركز في كتاباته الأخيرة على دور الجامع في تحريك الديمقراطية، وعلى دور الإسلام المستنير وضرورة إخراجه من أيدي الفقهاء، وضرورة إعادة كتابة التاريخ العربي من منظور علمي تحديثي وعصري. وصدرت له مجموعة من كتب على امتداد السنوات العشرين الأخيرة منها:
من مكة إلى هنا(رواية)، من قصص الأطفال، تحية طيبة وبعد، فرسان بلا معركة، القرود(رواية)، الحيوانات. كما صدر للنيهوم أشهر وأهم كتبه عن الإسلام والديمقراطية، وهي ثلاثة: صوت الناس: أزمة ثقافة مزورة، الإسلام في الأسر: من سرق الجامع وأين ذهب يوم الجمعة؟ ، إسلام ضد الإسلام: شريعة من ورق. توفي الصادق النيهوم في جنيف يوم الثلاثاء 15نوفمبر 1994، ودفن في بنغازي.
عُرِفَ النيهوم بجرأته وقراءاته الفذة للمجتمع والدين. يقول، مثلاً، في تحية طيبة وبعد:
[...] وقد تعلَّمتُ أن أؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر. وتعلَّمتُ أن أطوي هذا الإيمان في صدري وأتركه يقودني في طريق الغربة. وقد قادني بنفسه إلى هذا الحد. وعلَّمَني أن أكفر بمهنة "الفقيه". فإذا جاء العيد، وانطلقتْ دعواتُكم المضحكة عبر كلِّ السموات، فأنا أراكم من الداخل وأكفر بكم. أو قوله كذلك (في مقطع من رواية من مكة إلى هنا):
الفقهاء أعداء الصيادين. إنني أستغفر الله إذا كان ذلك ذنبًا حقيقيًّا. ولكن الفقيه [الذي] يقول لك إن سلاحف البحر حوريات مسحورة، لا بدَّ أنه يناصبك العداء. أجل، أنا عبد جاهل، لا يجوز أن يخوض في أقوال العلماء. لكن السلحفاة ليست حورية مسحورة، إنما مجرد "فكرونة" كبيرة الحجم وقبيحة إلى حدٍّ لا يطاق. وقد قتلت منها بنفسي ما يربو على المائة دون أن يسخطني الله بحجر.
وفي فرسان بلا معركة نقرأ كلماته الحادة:
المرأة في بلادنا لم تشارك في هندسة مجتمعنا، لم تشارك في تقييم أخلاقياته، لم توافق على مزاعمنا القائلة بأن شرف البنت مثل عود الكبريت وشرف الرجل من ولاعة "الرونسون". لا تعتقد أن ثمة فرقًا بين هفوة الرجل وبين هفوة المرأة، ولا تؤمن بأن أخاها يستحق أن يمتاز عنها بمقدار عقلة إصبع بمجرد أنه يملك بعض الشعر في لحيته. لا نريد مجتمعًا يوزِّع امتيازاته بين أفراده طبقًا لطول الشنب!
وفي كتابه الإسلام في الأسر يقول النيهوم:
"فالدين يحرم الرشوة، لكن المواطن الذي يعيش في مجتمع إقطاعي، لابد من أن يرشو كل موظف يقابله، بكل عملة مقبولة في السوق. لأن الخدمات العامة في مثل هذا المجتمع، ليست حقاً دستورياً للمواطن، بل "فرصة" عليه أن يصطادها بصنارة. فإذا كان الصيد حوتاً كبيراً مثل استخراج رخصة للمقاولات الأهلية، يكون الطعم نقوداً وهدايا وعقود زواج وخدمات خاصة. أما إذا كان الصيد مجرد سمكة صغيرة مثل استخراج شهادة ميلاد، فإن الوصفة الشعبية تحتم أن يرقص المواطن حاجبيه، ويقول للموظف محيياً: (صباح الخير يا عسل). والدين يحرم ارتزاق المرأة بجسدها، لكن المرأة المحجبة التي تمنعها شريعة الإقطاع من فرصة التأهيل المهني، لا تستطيع أن تكسب عيشها دائماً بالحلال. إنها "تتزوج" على سنة الله ورسوله، لكن شريعة هذا الزواج الناجم عن العجز والبطالة، أمر يصعب إثباته شرعياً".
وبالعودة إلى تحية طيبة وبعد نقرأ كذلك ملاحظات النيهوم الدقيقة والحادة والذكية، إذ يقول:
إن النقطة الهامة التي أشير إليها هنا للمرة الثانية تتمثل في اعتبار الجهل نقيضًا للصحة العقلية وليس للمعرفة. فالجاهل ليس دماغًا أبيض ممسوحًا، لا يضم في داخله سوى الفراغ، بل دماغ مليء حتى حافته بأشكال خاصة من المعارف الخاطئة [...].
لا شك في أن النيهوم يعبِّر هنا عن إنسانه الشمولي، عن ميله إلى النظر واسعًا وبعيدًا في أمور هذه الدنيا؛ أي أنه يلبث، رغم بعض انفعاله المحافظ، من ناحية، وغير العلمي، من ناحية أخرى، إنسانًا متفهمًا لنواقص مجتمعه والمجتمعات الأخرى، حيث يكتشف العيوب ويدلُّ عليها.
ويبدو أن الصادق النيهوم حلَّ مشكلته مع الوجود، إذ عثر على الحقيقة التي يبدو منبعها المنطق السلطوي والقمعي، إذ يحذر ويتوعد؛ ثانيًا، يتكلم النيهوم كالمصلح الاجتماعي الذي يرتب الحدود بين الخير والشر والحقيقة والباطل. وتديُّن النيهوم المطلق وانفعاله يؤديان به، في معظم الأحيان، إلى إساءة فهم الأديان الأخرى، وفيها المسيحية. يقول:
بالنسبة إلى كتاب العهد القديم الخطيئة أبدية، والجنس الإنساني بأسره يدفع ثمن هذه الخطيئة؛ ودم المسيح هو الثمن الذي دفعه ابن الإنسان. إن القرآن يختلف مع كتاب العهد القديم في هذه النقطة اختلافا جذريًّا وحاسمًا. ولعل النيهوم لا يدرك تماما من هو المسيح ومن هو ابن الإنسان. ثم – وهنا الأهم – لم يأتِ مفهوم الخطيئة والدم الفادي والمسيح في العهد القديم، بل في العهد الجديد؛ وبالتالي فإن الخطيئة في المسيحية ليست أبدية على الإطلاق، إنما أصلية (والفرق كبير)، لأن مجيء المسيح كان لخلاص الإنسان، على عكس ما يقول أيضًا حول إن هذا الصراع لا يبدو أبديًّا في القرآن، بمعنى أن الإنسان قد فقد فرصة الخلاص إلى الأبد [...].
لا شك في أن الاتجاه الديني يقود فكر الصادق النيهوم. فهو لا يخرج على القاعدة القائمة، ولا يتحرر في ما يخص المرأة إلا نادرًا وخَجَلاً، ولا يرى في الإنسان فردًا وجوديًّا، بل إنسان خيِّر أو شرير (وقد استخدم مرارًا مفردة "رذيلة")؛ ويرى، بالتالي، الخلاص في الإسلام دون باقي الديانات. كما يعتبر أن مكان الحضارة القادمة قد يكون في "أرضنا"؛ وعلى المسلمين، من ثَمَّ، أن يجتهدوا من أجل اليقظة المفترضة: إن الإسلام هو الموقف الوحيد للإنسان الذي يستطيع أن يرى منه حقيقة اتجاهه منذ أول لحظة. إن القرآن ليبدو حقًّا نورًا أضاء العقل الإنساني فجأة وتركه يرى ما لم يكن بوسعه أن يراه [...].
أو:
إن نقلة الحضارة القادمة سوف تتم في المكان الذي تقع فيه اليقظة على أوسع نطاق ممكن. وليس ثمة مانع واحد من أن تقع اليقظة في أرضنا؛ لكنه أيضًا ليس ثمة ضمان واحد على أنها ستقع فيها دون جهد من جانبنا [...].
ولعل من أجمل ما قاله النيهوم في مفهوم النمو والجنس البشري:
[...] وكلما ازدادت الدائرة انغلاقًا بَدَت الغرائزُ أكثر تسلطًا ووضوحًا؛ وكلما اتسعت الدائرة بهتتْ الغرائز وفقدت وضوحها، حتى تترقى الحياة في سُلَّم التغير إلى حدِّها الأعلى، وتفتح دائرة التكرار الغريزي. إذا انفتحت دائرة التكرار يولد على الفور مبدأ حرية الاختيار.
ولا شك في أن كلامه يصبُّ كلُّه، من النمو إلى حرية الاختيار، في العقيدة الإسلامية حتمًا. فالمقصود بـ"النمو"، اختصارًا، الاتجاه نحو الدين الإسلامي، وبـ"الحرية" اختيار الخير.
يبقى أن نقول إن الصادق النيهوم كاتب مثير للحيرة والتساؤل، يجمع بين التقليد والعصيان، بين الالتزام السياسي والحرية الشاعرية. نقرأه في محطة جميلة:
[...] أحببتُ كثيرًا من النساء والأطفال والشعوب والمدن والطرق والكلاب والصيادين وباعة النبيذ والحشيش والفلسفة والكتب والأشعار، وأحببت اللاجئين، وأحببتكم أيضًا. ولا أعتقد أنني أريد أن أكفَّ عن ذلك أيضًا [...].
المقدمة مقتبسة من مقال للأستاذ يوسف مرزوق يوسف بعنوان الصادق النيهوم وقد نشره بموقع هنا اجدابيا وهي مجلة شهرية يشرف على اصدارها الأستاذ يوسف مرزوق.
كما يمكن الاطلاع على مقال الكاتب صباح زوين الذي نشره بصحيفة النهار بتاريخ 24 أغسطس 2001ف؛ وأعيد نشره بموقع معابر الروحي ولمن يريد الاطلاع على المقال كاملاً والذي اقتبست منه بعض ما جاء في مقالي هذا ..
http://www.maaber.50megs.com/issue_january04/books_2.htm
كما أن التعريف بالنيهوم أخذ من بطاقة تعريف منشورة موقع بلد الطيوب وهو موقع يهتم بالأدب والثقافة الليبية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الصادق النيهوم | السمات:الصادق النيهوم
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج























